أعادت التقارير التي تحدثت عن تحركات بحرية مصرية باتجاه جنوب البحر الأحمر في أغسطس 2026، بالتزامن مع تجدد تهديدات الحوثيين للملاحة البحرية وتداعيات هجوم بطائرة مسيّرة على دمياط، طرح تساؤلات استراتيجية أوسع بشأن طبيعة الدور المصري في المنطقة. وأكدت القاهرة في 30 يوليو أن طائرة مسيّرة تسببت في اندلاع حرائق على متن سفينتين في دمياط، رغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
وفي اليوم نفسه، انضمت مصر إلى تحالف بحري تقوده السعودية، لتندرج مشاركتها البحرية ضمن إطار أمني يمتد عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. ومنذ ذلك الحين، وفّر الهجوم الذي شنّه التحالف المدعوم سعوديًا على الحوثيين في 5 أكتوبر مبررًا إضافيًا لتأمين المضيق، فيما أثارت التقارير عن تجدد التحركات البحرية المصرية باتجاه جنوب شرقي البحر الأحمر تساؤلات حول النطاق الجغرافي للانخراط المصري.
وبحسب تحليل نشرته منصة «هورن ريفيو» للباحثة بيزاويت إشيتي، تتجاوز أهمية هذه التطورات الحماية المباشرة للملاحة البحرية. إذ يتيح الوجود العسكري المتقدم والمستمر لمصر مراقبة المنطقة بصورة دائمة، والوصول إلى الموانئ والمجالات الجوية الإقليمية، وتعميق العلاقات الاستخباراتية، وتعزيز دورها في تحديد قواعد إدارة الأمن البحري.
أما إثيوبيا، التي تعتمد تجارتها الخارجية بدرجة كبيرة على الوصول إلى البحر عبر جيبوتي، وتواجه إصرار القاهرة على حصر إدارة الشؤون البحرية في الدول الساحلية، فيتمثل هاجسها الأساسي في الكيفية التي قد تتضافر بها هذه القدرات والشراكات لتشكيل بيئة إقليمية تضيق فيها مساحة التحرك لتحقيق مصالحها الاستراتيجية.
الوجود البحري المصري.. من حماية الملاحة إلى توسيع النفوذ
يتخذ هامش التحرك المصري عدة أشكال مترابطة، يستند كل منها إلى تفويض مشروع في ظاهره، ويُصمم للاستمرار بعد انقضاء التهديد المباشر الذي برر إنشاءه في البداية. وتوفر المراقبة البحرية والجوية للمداخل المؤدية إلى المضيق صورة عملياتية مستمرة للممرات البحرية التي تعبرها نسبة كبيرة من التجارة الخارجية الإثيوبية عبر جيبوتي. كما تؤسس مشاركة المعلومات الاستخباراتية وإجراء التدريبات المشتركة في إطار التحالف قنوات دائمة تتيح للقوات المصرية التفاوض بشأن ترتيبات استخدام الموانئ والتحليق فوق الأراضي في السودان وجيبوتي والصومال.
علاوة على ذلك، تشير تقارير صادرة عن مصادر في القاهرة في ديسمبر 2025 إلى أن الاتفاقيات المتعلقة بمرسى عصب وميناء دوراليه تتضمن، بحسب تلك التقارير، ترتيبات لرسو السفن الحربية وتوفير الوقود ونشر وحدات صغيرة.
وقد تمتد صلاحيات المرافقة والتفتيش والاعتراض المرتبطة بمهام الأمن البحري لتشمل جميع السفن التي تعمل داخل المياه المحددة، بما يمنح القوات المشاركة نطاقًا عملياتيًا واسعًا محتملًا. والأهم من ذلك أن استمرار الوجود البحري يحوّل التصور المصري المفضل لإدارة البحر الأحمر، والقائم على أولوية الدول الساحلية، إلى واقع عملي.
فمن خلال تحديد الجهات الموجودة فعليًا والمنخرطة عملياتيًا في المنطقة، تستطيع القاهرة التأثير في الحكومات المشاركة في صياغة الترتيبات الأمنية، وإبقاء حكومات أخرى على الهامش.
الصومال.. شرعية الحضور وقربه من الحدود الإثيوبية
تكشف الحالة الصومالية كيف تتضافر الشرعية السياسية مع القرب الجغرافي. فقد وقّعت مصر والصومال بروتوكولًا للتعاون العسكري في 14 أغسطس 2024، ثم ارتقت علاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في 23 يناير 2025. وتعهدت القاهرة بمواصلة تقديم الدعم العسكري والتدريب والتسليح للجيش الوطني الصومالي، مع التركيز على مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود البرية والبحرية.
ووصف رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي أمن الصومال بأنه جزء لا يتجزأ من أمن مصر، كما جرى تجهيز نحو 1100 جندي مصري في مطلع عام 2026 للمشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال «أوصوم» (AUSSOM).
وتُقدَّم هذه القوات في إطار خطاب السيادة ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود، باعتبارها موجهة ضد حركة الشباب، لكن وجودًا من هذا النوع يغيّر البيئة الأمنية المحيطة بإثيوبيا، بصرف النظر عن الهدف المعلن منه. فالتعاون في مكافحة الإرهاب يتيح الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية وبناء علاقات مع المؤسسات العسكرية المحلية، فيما تمنح برامج التدريب القاهرة نفوذًا داخل المؤسسات الاتحادية قد يستمر بعد انتهاء أي انتشار عسكري.
كذلك، يمكن للمطارات والموانئ ومراكز الإمداد اللوجستي التي تُجهّز لمواجهة حركة الشباب أن تخدم مهام أخرى بالقدر نفسه. وتكتمل هذه المنظومة بالتعرف على الحدود الإثيوبية والمناطق المؤدية إليها، بما يهيئ منصة لمراقبة الجبهة الشرقية لإثيوبيا انطلاقًا من دولة شريكة ترحب بالوجود المصري.
وتحوّل منطقة جيدو الوصول إلى أداة للضغط والحرمان الاستراتيجي. فإثيوبيا تنظر إلى جنوب الصومال، ولا سيما جيدو، بوصفه خط الدفاع الخارجي الأول عن أمنها؛ إذ يشكّل نطاقًا تتصدى فيه القوات الإثيوبية وشركاؤها المحليون للتهديدات قبل وصولها إلى الإقليم الصومالي الإثيوبي. وأظهرت الاشتباكات حول بلد حواء ودولو في عام 2025 تداخل المصالح الأمنية الإثيوبية ومصالح ولاية جوبالاند هناك، وتصادمها مع مساعي الحكومة الاتحادية لمد سلطة مقديشو إلى المنطقة.
ويمنح تدريب القاهرة للوحدات الاتحادية وتسليحها، إلى جانب انتشار قوات «أوصوم» المصرية في وسط الصومال وجنوبه، حيث تعمل القوات الإثيوبية بالفعل، مقديشو داعمًا إقليميًا لديه مصلحة في تراجع النفوذ الإثيوبي. وإذا امتد الوجود المصري إلى جيدو نفسها، فسيخضع نطاق عازل حافظت عليه إثيوبيا لعقود لتأثير دولة تنازعها مكانتها الإقليمية، وستتحول الحدود الإثيوبية إلى خط دفاع أمامي لهذا الوجود.
السودان.. جبهة برية تستند إلى سوابق عسكرية
يمتد المسار البري عبر السودان، حيث توجد سابقة يمكن الاستناد إليها. فقد تقدمت القوات السودانية إلى منطقة الفشقة في ديسمبر 2020، بينما كانت تشكيلات الجيش الإثيوبي منشغلة بالحرب في تيغراي. ومنذ ذلك الحين، أعاد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إحياء الخطاب المصاحب لتلك التحركات. ويتهم مسؤولون سودانيون إثيوبيا بتسهيل إمدادات الأسلحة الإماراتية إلى قوات الدعم السريع، وبالسماح لهذه القوات بتنفيذ عمليات انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية، من دون تقديم أدلة موثوقة تدعم هذه الاتهامات.
وفي ديسمبر 2025، دعا البرهان الحكومات المجاورة إلى إعادة النظر في مواقفها، مؤكدًا حق السودان في الدفاع عن حدوده، ومعلنًا أن بلاده تستطيع الوصول إلى الجهات التي تحشد ضدها أينما كانت. ومهما كان مدى استناد هذه الاتهامات إلى الأدلة، فإنها تدوّل الحرب الأهلية، وتوفر سردية تبريرية للتحركات العابرة للحدود، وتدعو أطرافًا خارجية إلى التعامل مع إثيوبيا بوصفها طرفًا في الصراع. ويكتسب التلاقي بين السوابق العسكرية والخطاب التصعيدي أهمية أكبر عند النظر إليه بالتوازي مع تنامي التقارب السياسي والأمني بين مصر والجيش السوداني.
ورافقت الحرب اتهامات بتقديم مصر دعمًا جويًا، شمل طائرات «كيه-8» وذخائر ومعلومات استخباراتية وتدريبًا. وتنفي القاهرة تقديم دعم عسكري، فيما تعهد السيسي علنًا بمواصلة مساندة الجيش السوداني. وفي المقابل، تشير تقارير عن إقرارات غير علنية لمسؤولين أمنيين مصريين بوجود مساعدات لوجستية وفنية إلى احتمال وجود فارق بين النفي المصري العلني للتدخل العسكري والدعم الذي يُزعم تقديمه خلف الكواليس.
ولا تقتصر العلاقة على ميدان القتال؛ إذ مارست القاهرة ضغوطًا دبلوماسية للاعتراف بالجيش السوداني باعتباره المؤسسة الشرعية للدولة، ما عزز موقعها السياسي بينما تستمر الحرب. وفي المقابل، يمتلك الجيش الذي تتزايد تبعيته للإمدادات المصرية والدعم الدبلوماسي حافزًا وقدرة على تعزيز الأجندة الإقليمية للقاهرة. ويربط هذا الاصطفاف بين المساعدة العسكرية والشرعية الدبلوماسية والوصول الاستراتيجي، بما قد يتيح لمصر توظيف الأراضي والأجواء والنفوذ السياسي السوداني لتعزيز منظومة أمنية إقليمية تزيد الضغوط على إثيوبيا.
وتتيح إطالة أمد الحرب السودانية للقاهرة أدوات نفوذ ناتجة عن الصراع، بصرف النظر عن النوايا المصرية المعلنة. فمصر تؤكد في تصريحاتها العلنية احترام وحدة الأراضي السودانية، لكن استمرار تفكك السودان يستنزف اهتمام إثيوبيا العسكري والدبلوماسي على حدودها الغربية، ويؤخر إنشاء ممر اقتصادي مستقر بين البلدين، ويعمّق اعتماد الجيش السوداني على الدعم المصري، ويوفر مبررًا مستمرًا للانتشار المصري والأنشطة الاستخباراتية واللوجستية على الحدود الجنوبية لمصر، تحت عناوين حماية الحدود ودعم السيادة السودانية.
من قاعدة برنيس إلى باب المندب.. شبكة ضغط تحيط بإثيوبيا
تجمع قاعدة برنيس بين الدفاع عن الأراضي المصرية وإسقاط القوة خارج حدودها. فقد افتتح السيسي القاعدة في 15 يناير 2020، ووصفت الرئاسة المصرية منشأتها بأنها مجمع يضم مرافق بحرية وجوية وبرية وأنظمة للدفاع الجوي، ومهيأ لتنفيذ مختلف المهام في جنوب مصر، بما يشمل حماية الساحل الجنوبي والموارد الاقتصادية والملاحة على امتداد محور البحر الأحمر وقناة السويس. وتقع القاعدة على بعد نحو 90 كيلومترًا شمال مثلث حلايب، وهي مسافة تتيح دعم العمليات باتجاه السودان والمياه الواقعة وراءه.
ومن برنيس، تمتد شبكة الوصول غربًا إلى شرق العوينات، وجنوبًا إلى مسرح العمليات السوداني عبر العلاقة مع الجيش، وعلى امتداد البحر الأحمر إلى الموانئ الإريترية والجيبوتية ومضيق باب المندب، ثم إلى المطارات والموانئ الصومالية. وبذلك تتحرك مصر على خطوط خارجية تحيط بإثيوبيا، وتفتح عدة محاور متزامنة أمام قوة إثيوبية منشغلة أصلًا بعمليات الأمن الداخلي.
ويحد البعد الجغرافي من خيارات مصر في نشر القوات البرية، لذلك تعتمد على أصول المراقبة الجوية والقدرات الجوية والبحرية التي تتحرك بين مواقع تستضيفها دول تتبنى الأهداف الأمنية المصرية المعلنة. ويساعد هذا الترتيب على مراقبة إثيوبيا من عدة نقاط، وفرض القيود على حركتها عبر الاعتراض في مواقع متعددة، وتركيز الضغط على نقطة واحدة عند اندلاع أزمة.
ولجنوب البحر الأحمر موقع موثق في سجل العمليات المصرية. فمنذ اليوم الأول لحرب أكتوبر 1973، انطلقت المدمرات والغواصات المصرية من عدن، بموجب ترتيبات مع جنوب اليمن، لاعتراض السفن المتجهة إلى إسرائيل عند باب المندب. وانتهت العملية خلال أسابيع مع تحركات الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار. ولم تكن لمصر آنذاك سواحل على المضيق، ولذلك استندت عمليات الاعتراض إلى الوصول عبر دولة شريكة وإلى قدرة بحرية امتدت قرابة ألفي كيلومتر من المياه المصرية. ويقدم هذا النموذج سابقة تشبه التصميم الحالي القائم على التفويضات والدول المضيفة ومواقع الرسو المتقدمة.
وتثبت هذه التجربة عمليًا أن السيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بالنسبة إلى دولة تمتلك مدى عملياتيًا كافيًا وترتيبات مناسبة للوصول، تتيح مراقبة حركة الملاحة أو حمايتها أو تقييدها أو منعها بعيدًا عن أراضيها. وفي عام 2016، استحضر قائد القوات البحرية المصرية هذا الإرث عندما اعتبر باب المندب نقطة البداية التاريخية للأمن القومي المصري.
وتحوّل الدبلوماسية المصرية هذه المواقع إلى قواعد سياسية. فقد قوبل تأكيد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علنًا، في عام 2024، سعي بلاده إلى الوصول السلمي إلى البحر بنموذج لإدارة البحر الأحمر كانت القاهرة تعمل على ترسيخه مؤسسيًا منذ تأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في يناير 2020، بمبادرة تقودها السعودية، من دون أن تكون إثيوبيا عضوًا فيه. وبذلك اصطدم الموقف الإثيوبي بإطار مؤسسي يعترف بمصالح الدول الساحلية، لكنه يستبعد الدولة الحبيسة من ترتيبات الحوكمة وصنع القرار.
ثم حوّلت القاهرة هذا المبدأ إلى موقف دبلوماسي صريح. ففي 11 يناير 2025، رفض وزير الخارجية بدر عبد العاطي أي وجود عسكري أو بحري لدول غير مطلة على البحر الأحمر. وفي 31 أكتوبر من العام نفسه، ذهب أبعد من ذلك، معلنًا أن إثيوبيا لا تملك حق المشاركة في إدارة البحر الأحمر، ومشيرًا إلى مشاورات مع السعودية بشأن الإطار المؤسسي المستقبلي. وعزز رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الموقف ذاته خلال لقائه الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في 8 يونيو 2026، مشددًا على أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه.
وتعزز هذه التصريحات مجتمعة موقف القاهرة القائل بضرورة إبقاء إدارة البحر الأحمر تحت سلطة الدول الساحلية، وهو مبدأ يستبعد إثيوبيا من القرارات التي تؤثر مباشرة في مصالحها البحرية، ومن القرارات الحيوية لتجارتها وأمنها وإمكانية حصولها على منفذ بحري على المدى الطويل.
وشهد عام 2025 اندماج هذه المسارات. فقد جمعت قمة أسمرة في أكتوبر 2024 مصر وإريتريا والصومال حول ملفات السودان والصومال والبحر الأحمر وباب المندب، وأفضت إلى إنشاء لجنة ثلاثية للتعاون الاستراتيجي. وفي عام 2025، دفعت الشراكة الاستراتيجية مع الصومال، وتولي مصر قيادة قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات «153» في أبريل، والاستعداد لنشر قوات ضمن بعثة «أوصوم»، وتعميق التقارب مع إريتريا، التفاهمات الثنائية باتجاه إطار منسق ذي مضمون عسكري.
وجاء إعلان العلمين في 4 أكتوبر 2026، الذي وقّعته مصر والسودان وإريتريا والصومال، ليمنح هذا الاصطفاف الإقليمي إطارًا دبلوماسيًا رسميًا. ويقصر الإعلان إدارة البحر الأحمر على الدول الساحلية، لكن إدراج الصومال، استنادًا إلى موقعه على خليج عدن والممر البحري الذي يربطه بالبحر الأحمر عبر باب المندب، يكشف حدود الحجة الجغرافية الصارمة التي تستند إليها فكرة الحصرية.
فإذا كانت المصالح البحرية المترابطة تبرر مشاركة الصومال، فلا يمكن تجاهل اعتماد إثيوبيا على الممر نفسه في تجارتها وأمنها الاقتصادي لمجرد أنها دولة حبيسة. ويوحي هذا التفاوت بأن الجغرافيا تُطبّق بصورة انتقائية لتحديد الأطراف التي يحق لها المشاركة في القرارات المؤثرة في المصالح الحيوية لإثيوبيا. ومن خلال ربط إدارة البحر الأحمر بقضايا النيل، ومعارضة الاعتراف بأرض الصومال، وعقد القمم الدورية، يدمج الإعلان هذه الملفات ضمن إطار موحد للتنسيق الإقليمي.
كما أن صدور الإعلان في وقت تتهم فيه إثيوبيا مصر وإريتريا والسودان بدعم تحالف مسلح يقاتل في شمال البلاد، وهي اتهامات تنفيها الدول الثلاث، يضع هذا الاصطفاف المؤسسي في سياق التنافس الأوسع على موقع إثيوبيا الاستراتيجي. ومن ثم، يجسد الإعلان تقارب مسارين متوازيين: تصعيد الخطاب المصري بشأن أمن النيل، وتوسيع نطاق الوصول العسكري والاستراتيجي المصري في المنطقة.
وقد سار المساران بالتوازي، لكنهما باتا يعزز أحدهما الآخر بصورة متزايدة. فقد تصاعد الخطاب المصري من الحديث عن قضايا الحياة والوجود إلى رسم الخطوط الحمراء، والتحذير من اضطرابات لا يمكن تصورها، والتأكيد على أن جميع الخيارات مفتوحة، وصولًا إلى وصف قضية النيل بأنها وجودية، والتشديد على وجود حق مشروع في حماية الأمن المائي.
وفي الوقت نفسه، تطور الانتشار المصري من قاعدة برنيس إلى الاتفاق الاستراتيجي مع الصومال، والاستعداد لمهمة «أوصوم»، وترتيبات الموانئ في عصب ودوراليه، وتعميق العلاقة مع الجيش السوداني، ووجود طائرات «أكينجي» في شرق العوينات، والتحركات البحرية جنوب البحر الأحمر، وصولًا إلى التنسيق الرباعي. ويكشف شتاء 2025-2026 عن مدى التقارب بين هذه المسارات.
ففي 31 أكتوبر 2025، رفض عبد العاطي منح إثيوبيا دورًا في إدارة البحر الأحمر، بالتزامن مع بدء أسياس أفورقي زيارة إلى القاهرة استمرت خمسة أيام، ما ربط مساعي مصر لتقييد مشاركة إثيوبيا البحرية بتعميق شراكتها مع إريتريا. وتلت ذلك، في ديسمبر، تقارير عن ترتيبات للموانئ في عصب ودوراليه، قد توسع نطاق وصول مصر إلى مواقع استراتيجية على البحر الأحمر، فيما عززت القاهرة تقاربها السياسي والأمني مع القيادة العسكرية السودانية.
وأضافت التحذيرات الصادرة عن الرئاسة المصرية بشأن أمن السودان، ثم تهديد البرهان في 27 ديسمبر، والتقارير عن ضربة جوية انطلقت من قاعدة جوية جنوبية في 9 يناير 2026، أبعادًا عسكرية إضافية إلى هذا التقارب الدبلوماسي.
وتتكامل هذه التطورات بعضها مع بعض؛ إذ تضيق القواعد الدبلوماسية المسارات المشروعة المتاحة أمام إثيوبيا للمشاركة البحرية، بينما توسع الشراكات العسكرية نطاق وصول مصر إلى المناطق المحيطة بإثيوبيا، وتوفر السرديات الأمنية مبررًا مستمرًا لهذا الوجود. وتستمد المنظومة الناشئة نفوذها من الجمع بين هذه العناصر، بحيث تتراكم الإجراءات التي تُقدَّم باعتبارها استجابات منفصلة لانعدام الأمن البحري والدفاع عن الحدود وتحقيق الاستقرار الإقليمي، لتشكل بيئة استراتيجية أكثر تقييدًا لإثيوبيا.
وعند قراءة هذه المنظومة محورًا بعد آخر، يتضح تأثيرها في كل مسار يؤدي إلى المرتفعات الإثيوبية. ففي الشمال الغربي، يربط الاصطفاف العسكري السوداني وديناميات الحرب في السودان المناطق الحدودية الإثيوبية بقرارات تُتخذ في القاهرة وبورتسودان. وفي الغرب، تحتفظ الحدود السودانية والمؤسسة العسكرية في شرق السودان بسابقة الفشقة وبمسارات الوصول إلى إقليم بني شنقول-قمز.
أما في الجنوب والجنوب الشرقي، فتتيح الصومال والمناطق الأمنية في جيدو وباي وباكول وهيران لمصر التعامل مع مؤسسات شريكة على امتداد حدود تعدها إثيوبيا عمقًا أمنيًا خارجيًا. وداخل المنظومة الدبلوماسية، تتلقى الدول العربية والأفريقية تشجيعًا لتبني الصياغة المصرية بشأن إدارة النيل والبحر الأحمر.
ويستند كل عنصر من هذه العناصر إلى تفويض يمكن الدفاع عنه، ويُقدَّم إلى الدولة المضيفة بوصفه خدمة لأمنها الخاص. لكن المحصلة تمنح القاهرة القدرة على مراقبة إثيوبيا من عدة مواقع، وإجبار القوات الإثيوبية، المنشغلة أصلًا بعمليات الأمن الداخلي، على توزيع قدراتها، وفرض قيود على التجارة الإثيوبية عند نقاط دخولها إلى البحر وخروجها منه، والاستعانة بشركاء قادرين على العمل في مناطق لا تستطيع القوات المصرية الوصول إليها، فضلًا عن إطار دبلوماسي يصوّر أي تحرك إثيوبي مضاد على أنه خرق للنظام الإقليمي.
وهكذا تتقلص قدرة إثيوبيا على المناورة الاستراتيجية على جميع المحاور في وقت واحد، لأن الطابع القسري لهذه الترتيبات ينبع من هندستها الجغرافية، ويظل قائمًا بصرف النظر عن الغرض الأول الذي برر كل انتشار عسكري. وتحتفظ القاهرة بالقدرة على تحديد توقيت تحويل هذه الإمكانات إلى ضغط مباشر، إذ أصبحت البنية التحتية قائمة، وما زالت التفويضات التي تمنحها الشرعية سارية المفعول.
https://hornreview.org/2026/10/12/under-the-banner-of-red-sea-security-egypt-encircles-ethiopia/

